بين مجزرة السويداء وقانون القومية الإسرائيلي

وقع في هذه الأيام، وعلى نحو شبه متزامن، حدثان من طبيعتين مختلفتين ولكنهما يشتركان في أنهما يضعان في الواجهة جماعة بشرية بعينها أو شرائح واسعة منها، وهي الدروز. الحدث الأول هو المجزرة الرهيبة التي نفذها مقاتلو داعش وانتحاريوه في محافظة السويداء السورية ذات الغالبية الدرزية، وهي تنطوي بالتأكيد على دلالات خاصة وإن كانت تندرج في معمعة النزاعات المتعددة الوجوه التي تنخر سورية منذ سبع سنوات. هناك نوع من التشفي الهمجي في وتيرة الهجمات الداعشية التي أدت إلى مقتل 260 وجرح العشرات من سكان مدينة السويداء والقرى المحيطة بها. نصف الضحايا تقريباً هم من المدنيين والنصف الآخر من المقاتلين المحليين والنظاميين في هذه المنطقة التي بقيت نسبياً على هامش المواجهات العنيفة في معظم المناطق السورية. الحدث الثاني يتعلق باحتجاجات صادرة عن هيئات درزية في إسرائيل ضد القانون الذي أقره الكنيست الإسرائيلي في الأسبوع الماضي تحت عنوان الدولة القومية للشعب اليهودي باعتباره قانوناً عنصرياً.

في ما يخص قانون القومية هذا، من الملاحظ أن واضعيه والمصوتين لمصلحته الدائرين في فلك نتانياهو واليمين القومي يحرصون على تقديمه دعوياً كنص تأسيسي. مع ذلك ثمة ما ينم عن حرص آخر يتعلق بتمرير القانون على عجل ومن دون طنطنة كبيرة. هناك صمت دولي غريب، فالسجال الوحيد الذي وصل إلينا بسبب إقرار القانون كان بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي لم يتردد في اعتباره ثمرة تفكير فاشي ونازي، وبين نتانياهو الذي اتهم أردوغان بقتل الأكراد وبقتل سوريين أيضاً. صحيح أن السياسات والممارسات الإسرائيلية منذ نشأة الدولة تفصح بوضوح عن فحوى القانون وتصوره للفكرة القومية اليهودية، ما يجعل القانون الأخير، في نظر البعض، من قبيل القناعة الزائدة، أو لزوم ما لا يلزم. غير أن هذا التقدير لا يكفي لتفسير إحجام مجموعات الضغط النافذة في الإعلام وصناعة الرأي في كبريات العواصم الغربية عن تسويق القانون والتفنن في تظهير محاسنه وإيجابياته والتقليل من سلبياته. هناك أمور أقل أهمية من هذا القانون يحولها صناع الرأي الموالين لإسرائيل إلى مادة إعلامية ودعائية دسمة.

نرجح أن التزام الصمت يعود إلى شطارة إعلامية معهودة، فهؤلاء الدعاة يفضلون عدم فتح الملف، إذ يكفي أن يرى الناس صورة النواب العرب في الكنيست الإسرائيلي وهم يمزقون النص الورقي للقانون ويصرخون احتجاجاً أثناء خروجهم من قاعة الكنيست: أبارتايد، أبارتايد، في إشارة واضحة إلى نظام الفصل العنصري الذي كان معتمداً في أفريقيا الجنوبية. مجرد المقارنة مع هذه التجربة التي طويت صفحتها تزعج قادة إسرائيل والموالين لها في الغرب خصوصاً، فمن المعلوم أن ممارسة الضغوط والمقاطعة والتشهير بالطابع العنصري لنظام جنوب أفريقيا لعبت كلها دوراً في دفع كتلة السلطة البيضاء إلى البحث عن تسوية تحفظ قيم ومبادئ الحداثة السياسية والحقوقية التي يمكن التعبير عنها من فوق ومن تحت. وكان نلسون مانديلا ذو الشخصية الكاريزماتية، يدفع ويقود شعبه الأسود في هذا الاتجاه المتشوق إلى العدل ووضع الأمور في منظار إنساني وعقلاني يقبله الجميع. الصلف الإسرائيلي المركب لا يحتمل ذلك، ولم يكن مسموحاً لا للمقتول ياسر عرفات ولا لخلفه في رئاسة السلطة الفلسطينية محمود عباس أن يكون شبيهاً بمانديلا.

وسط صمت حمّال أوجه، دولياً وعربياً، يأتيك بالأخبار من لم تزوّد. سكرة المنتصرين بتمرير القانون لم تدم طويلاً إذ سرعان ما ظهر وجه الورطة في إقراره. فإعلان القانون عن حصر حق تقرير المصير الإسرائيلي باليهود وأن أرض إسرائيل هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي لا يتركان للأقلية العربية في إسرائيل سوى صفة المخدوع السعيد. فتململ دروز إسرائيل دفع حتى الآن بوزيرين إسرائيليين إلى الدعوة إلى مراجعة القانون العتيد، وإدخال تعديلات عليه وذلك تفادياً لمشكلة مع دروز إسرائيل. حتى أن وزير المال موشيه كحلون أقر في حديث للإذاعة الإسرائيلية بأن «القانون مرّ على عجل»، مؤكداً أن حكومته لا تريد إلحاق الأذى بالطائفة الدرزية. فقد قدمت رابطة المحامين الدروز التماساً لدى المحكمة العليا الإسرائيلية للطعن بالقانون، باسم 130 شخصية درزية، بينهم ضباط كبار في الجيش الإسرائيلي وأعضاء دروز في الكنيست. وأعلنت القيادة الدرزية تنظيم تظاهرة كبيرة في تل أبيب يوم السبت المقبل في الرابع من آب (أغسطس).

إذا كان ثمة علاقة بين صدور قانون الدولة القومية اليهودية واحتجاج الأقلية الدرزية عليه وبين المجزرة التي طاولت منطقة السويداء ذات الغالبية الدرزية، فهي ليست من نوع الترابط السببي. نعلم أن مجزرة السويداء استثارت، ولا تزال، تفسيرات معظمها يدور على نظرية المؤامرة. وتزدهر هذه النظريات في سياق التقدم الذي حققته القوات النظامية في الجنوب السوري، في منطقة درعا والقنيطرة المتاخمة لهضبة الجولان المحتلة. إسقاط الجيش الإسرائيلي قبل أيام طائرة سوخوي سورية بدعوى أنها انتهكت اتفاقية فك الاشتباك وخرقت المجال الجوي الإسرائيلي فوق الجولان لم يكن مقطوع الصلة عن التطورات الميدانية في حوض اليرموك وفي الجنوب السوري عموماً. هناك بالطبع، خصوصاً في أوساط المعارضة السورية، من يتهم النظام بتسهيل وصول مقاتلي داعش من البادية السورية لارتكاب مجزرة تطاول منطقة محسوبة على النظام ولكن يخشى من تفلتها من قبضته. على الضفة المقابلة هناك من يتهم القوات الأميركية المتواجدة في منطقة التنف القريبة من البادية السورية بالتواطؤ مع داعش لعرقلة السيطرة النظامية والروسية على المناطق المستعادة.

لا طائل من الخوض في هذه النظريات. ومن الأجدى أن نتوقف عند الحالة الدرزية كعينة سوسيولوجية عن التجاذب الذي تعيشه جماعة أقلية بين شعورها بوحدة هويتها المعتقدية المتوارثة وبين اندراجها بمقتضى تحولات تاريخية واجتماعية في مصائر وطنية لا تخلو من الغموض والالتباس، فالجماعة تجد نفسها مدعوة إلى الحفاظ على خصوصيتها فيما يدعوها الانخراط في حقل الوطنيات الدولتية إلى التخفف من هذه الخصوصية أو إلى تعديل صورتها ووظيفتها في الأقل، وإلى الانكفاء حيناً آخر على هذه الخصوصية كما لو أنها ملاذ أخير. هناك تراسل بين الوضعية الدرزية وبين العروبة في أيامنا.


Hosting and support by